السيد محمد الحسيني الشيرازي
374
الفقه ، الرأي العام والإعلام
غيرهم . أمّا إذا صاغها على نحو فضفاض ، يمكن قبول الجميع لها ويعدّ هذا خطيبا ناجحا ؛ ولذا فاللازم أن يقنع العموم لا الخصوص فقط ، ومن هنا قالوا : إنّ عظمة القرآن تكمن في شموله لمختلف الأذواق ، مثلا قوله سبحانه وتعالى : الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً « 1 » ؛ يفهم منه كل ما يناسب مداركه وخصوصياته العلمية والثقافية ، فقد فهم العرب يوم نزول هذه الآية نوعا من الشجر ينبت في صحراء الجزيرة العربية يسمى المرخ والفنار يستفاد منهما كحطب ، ومن ثمّ فهم من الآية المباركة كلّ شجر قابل للاحتراق ، وأخيرا فهم من الآية المباركة كلّ عود يختزن في داخله حرارة الشمس القابلة للإرجاع عند توفر الشرائط المناسبة ، وهكذا قالوا في قوله سبحانه وتعالى عن النّار : الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ « 2 » ، وكذا في الآية المباركة : وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ « 3 » ، إلى غير ذلك ممّا ذكره جماعة من علماء التفسير في كتبهم ، ومن الاطّراد والاستزادة ما ذكره بعض المحدّثين أنّ الإمام الصادق عليه السّلام كتب إلى ثلاثة من تلاميذه حرف ( ج ) ؛ ففهم أحدهم الجلاء من الوطن وهو أن يسافر من مكانه إلى مكان آخر حيث أنّ الخليفة وجلاوزته كانوا يريدون إلقاء القبض عليه وسجنه أو قتله . وفهم الثاني من حرف ( ج ) كلمة الجبل أي : اذهب إلى الجبال حتّى تكون في حصن حصين . وفهم الثالث لفظ ( ج ) الجنون أي : تجنن نفسك حتّى يقال عنك عند الخليفة إنّه مجنون فتأمن شرّه وشرّ جلاوزته . وهكذا نفذوا الأوامر كل على فهمه فنجوا من بطش الحاكم الفاسد « 4 » .
--> ( 1 ) سورة يس : الآية 80 . ( 2 ) سورة البقرة : الآية 24 . ( 3 ) سورة الانفطار : الآية 3 . ( 4 ) ذكر غوستاف لوبون في كتابه سيكولوجية الجماهير : ص 81 وما بعدها شروطا لإيصال الفكرة إلى الناس ، ونوجز ذلك بما يلي : أن يكون طرح الفكرة على هيئة بسيطة ولغة واضحة يفهمها الناس ، وأن ننظر إلى عامل الزمن في نشر الأفكار ، وأن ندخل الفكرة إلى